
تشكل المحميات البحرية أحد أهم الأدوات الحديثة لحماية الثروات الطبيعية وضمان استدامة النظم البيئية الساحلية، غير أن واقع هذه الآليات على مستوى الواجهة المتوسطية المغربية يكشف مفارقة واضحة، حيث مشاريع مُعلنة واستراتيجيات مُسطّرة، لكنها في الغالب لم تتجاوز مرحلة الوثائق، باستثناء تجربة محدودة تبرز في المنتزه الوطني للحسيمة.
فعلى امتداد الساحل المتوسطي، من طنجة إلى السعيدية، جرى الحديث خلال السنوات الأخيرة عن إحداث عدد من المحميات البحرية، في إطار التزامات بيئية وطنية ودولية، تهدف إلى حماية التنوع البيولوجي البحري ومواجهة الاستنزاف المتزايد للموارد السمكية. غير أن هذه المشاريع، رغم أهميتها، ظلت حبيسة الدراسات التقنية والإعلانات الرسمية، دون تفعيل فعلي على أرض الواقع.
في المقابل، يبرز المنتزه الوطني للحسيمة كاستثناء نسبي، حيث يشكل نموذجا أوليا لمحاولة إدماج البعد البحري في سياسات الحماية البيئية. ويضم المنتزه مناطق بحرية غنية بالأنواع النادرة، من بينها الشعب المرجانية والأحياء البحرية المهددة، ما يمنحه قيمة بيئية خاصة على الصعيد المتوسطي.
لو تم إخراج باقي المحميات البحرية إلى حيز التنفيذ، لكان بإمكانها لعب أدوار حيوية على عدة مستويات. أول هذه الأدوار يتمثل في حماية المخزون السمكي، الذي يعرف تراجعا مقلقا نتيجة الصيد الجائر واستعمال وسائل غير قانونية، حيث تتيح المحميات مناطق آمنة لتكاثر الأسماك واستعادة توازنها الطبيعي.
كما تساهم هذه المحميات في الحفاظ على التنوع البيولوجي، عبر حماية المواطن الطبيعية للكائنات البحرية، بما في ذلك الأنواع المهددة بالانقراض، وهو ما ينسجم مع التوجهات الدولية في مجال البيئة، خاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط الذي يعد من أكثر المناطق هشاشة بيئيًا.
وعلى المستوى الاقتصادي، يمكن للمحميات البحرية أن تشكل رافعة للتنمية المستدامة، من خلال تشجيع السياحة البيئية، وخلق فرص شغل جديدة مرتبطة بالبحث العلمي، والإرشاد البيئي، والأنشطة السياحية المنظمة. كما يمكن أن تساهم في تحسين مردودية الصيد التقليدي على المدى المتوسط والبعيد، عبر إعادة تجديد الموارد البحرية.
يرجع تعثر إخراج هذه المشاريع إلى عدة عوامل، من بينها تعقيد المساطر الإدارية، وضعف التنسيق بين المتدخلين، إضافة إلى غياب رؤية واضحة لإشراك الساكنة المحلية، خاصة الصيادين، الذين يُنظر إليهم أحيانًا كمتضررين محتملين بدل شركاء أساسيين في إنجاح هذه المبادرات.
كما يطرح إشكال المراقبة والتمويل نفسه بقوة، إذ تتطلب المحميات البحرية موارد بشرية ولوجستيكية مهمة لضمان احترام القوانين داخلها، وهو ما يظل محدودًا في ظل الإمكانيات الحالية.
رغم التزامات المغرب في إطار الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية البيئة البحرية، فإن الفجوة لا تزال قائمة بين الخطاب الرسمي والتنزيل الميداني. فباستثناء تجربة الحسيمة، تبقى باقي المحميات البحرية مشاريع مؤجلة، في وقت تتسارع فيه وتيرة التدهور البيئي.
محمد أبطاش
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه