السردين المغربي يدفع ثمن تغير المناخ وضغط الصيد.. ماذا عن المستقبل؟

لم يعد الحديث عن السردين في المغرب مرتبطاً فقط بسعره في الأسواق أو بوفرة عرضه في الموانئ، بل أصبح مرتبطاً بسؤال أكبر يتعلق بمستقبل واحد من أهم الموارد السمكية التي ارتبطت بالغذاء اليومي للمغاربة وباقتصاد الصيد والصناعات التحويلية والتصدير.

فخلال السنوات الأخيرة، بدأت مؤشرات مقلقة تظهر على مستوى مصايد السردين، مع تسجيل تراجعات في عدد من المناطق وتغيرات واضحة في توزع الأسراب، في وقت أصبحت فيه التغيرات المناخية وارتفاع حرارة مياه البحر عاملاً مؤثراً في حركة الأسماك وتكاثرها وتوفر غذائها. وتشير معطيات رسمية منشورة في الجريدة الرسمية إلى أن مخزونات الأسماك السطحية الصغيرة، التي يشكل السردين نحو 70 في المائة من إنتاجها الوطني، عرفت تقلبات ملحوظة خلال العقود الأخيرة، مع تسجيل تراجع في مخزون السردين بنحو 30 في المائة، خصوصاً في المنطقتين الأطلسيتين الجنوبيتين B وC.

ولم تعد التأثيرات المناخية مجرد فرضية نظرية، إذ دفعت المعطيات العلمية والبيانات الميدانية السلطات إلى اتخاذ إجراءات تقييدية لحماية المخزون. ففي فبراير الماضي، تقرر إغلاق المنطقة الجنوبية، المعروفة بالمخزون C، أمام صيد الأسماك السطحية الصغيرة إلى نهاية يونيو، بعدما أظهرت عمليات التتبع العلمي وجود أعداد مهمة من صغار السردين غير البالغة، بما يجعل استمرار الضغط عليها تهديداً مباشراً لقدرة المخزون على التجدد.

وفي البحر الأبيض المتوسط تبدو الصورة أكثر حدة في بعض المناطق. فقد أظهرت دراسة علمية حول مصايد الحسيمة تراجع الكميات المفرغة من السردين بنسبة بلغت 98 في المائة بين 2010 و2023، وربطت الدراسة هذا الانخفاض، من بين عوامل أخرى، بالاختلالات الحرارية في مياه المتوسط وتأثيرها على الدورة البيولوجية للسردين وتوفر العوالق البحرية.

وتنعكس هذه التحولات في النهاية على المستهلك المغربي. فقد شهد سعر السردين خلال الأيام الأخيرة ارتفاعاً من حوالي 13 درهماً للكيلوغرام إلى 18 درهماً، مع تسجيل أسعار وصلت إلى 20 درهماً في بعض المناطق، في ظل تفاوت العرض والطلب وتأثير الظروف المناخية وتكاليف النشاط وتدخل الوسطاء.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في ارتفاع السعر لفترة مؤقتة، وإنما في احتمال تحول التراجع في المصايد إلى اتجاه طويل الأمد. فالمغرب لا يتعامل مع السردين باعتباره مجرد منتوج للاستهلاك الداخلي، بل باعتباره مورداً اقتصادياً يرتبط بأسطول الصيد، وموانئ التفريغ، ووحدات التعليب والتجميد والتحويل، وسلاسل التوزيع والتصدير.

ولهذا فإن مستقبل السردين سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة تدبير المصايد على التوفيق بين مصالح الأسطول وحاجيات السوق وحماية المخزون. فالراحة البيولوجية وإغلاق بعض المناطق قد يخففان الضغط على الموارد، لكنهما لن يكونا كافيين إذا استمرت التحولات المناخية أو ظل استغلال بعض المخزونات يتجاوز قدرتها الطبيعية على التجدد.

المعركة المقبلة، إذن، لن تكون فقط حول توفير السردين للمستهلك المغربي بسعر مناسب، وإنما حول الحفاظ على وجوده أصلاً بكميات تسمح باستمرار النشاط الاقتصادي والاجتماعي المرتبط به. وبينما تتحرك السلطات عبر الإغلاق المؤقت للمناطق الحساسة وتعزيز البحث العلمي وتدبير المصايد، تفرض التحولات المناخية واقعاً جديداً قد يجعل مستقبل السردين مرتبطاً بمدى سرعة القطاع في التكيف مع البحر المتغير.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان السردين سيظل موجوداً في الأسواق المغربية، وإنما بأي كميات، وبأي سعر، وتحت أي تكلفة بيئية واقتصادية، وهل تستطيع المملكة الحفاظ على مكانتها في صناعة السردين العالمية إذا استمرت المصايد في التراجع وواصلت حرارة البحار إعادة رسم خريطة توزع هذا النوع من الأسماك؟

شاهد أيضاً

إدارة “البحر 24” تعزي في وفاة والدة السيد عبد الكريم فوطاط رئيس الكنفدرالية المغربية للصيد الساحلي

taaz ” يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي “ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *