غلاء الكازوال يضع الصيد البحري أمام اختبار الاستمرارية.. من يتحمل كلفة الأزمة؟

لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات مجرد عبء إضافي ضمن مصاريف الاستغلال التي يتحملها مهنيو الصيد البحري، بل تحول إلى عامل يضغط على استمرارية النشاط نفسه، ويطرح أسئلة متزايدة حول قدرة المراكب على مواصلة الإبحار في ظل اتساع الفجوة بين كلفة الرحلات ومداخيل المصطادات. ففي قطاع يرتبط فيه الإنتاج البحري بشكل مباشر باستهلاك الوقود، يصبح أي ارتفاع في سعر الغازوال مؤثراً في مختلف حلقات النشاط، من مالك المركب إلى البحار، وصولاً إلى أسواق السمك والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموانئ.

وتكشف التطورات المسجلة خلال سنة 2026 أن تداعيات هذه الأزمة لم تعد محصورة في النقاشات المهنية، بعدما تحولت إلى مطلب مؤسساتي رفعته غرفة الصيد البحري المتوسطية بطنجة إلى الحكومة. ففي دورة الغرفة المنعقدة يوم 2 أكتوبر 2026، أثيرت مسألة الارتفاع القياسي في أسعار المحروقات، مع الإشارة إلى وصول سعر الغازوال المدعم إلى حوالي 13 درهماً للتر، وما يرافق ذلك من ارتفاع كلفة الرحلات وتراكم الديون على عدد من المراكب، وفق المعطيات التي عرضها المهنيون خلال الاجتماع.

وتكمن خطورة هذا الوضع في أن كلفة الإبحار لا تتوقف عند التزود بالوقود، بل تشمل الصيانة وقطع الغيار والشباك ومستلزمات الصيد وأجور البحارة ومصاريف الرسو والتدبير اليومي للمركب. وعندما تتراجع المردودية أو تكون الكميات المصطادة غير كافية، يجد صاحب المركب نفسه أمام معادلة صعبة: إما مواصلة الرحلات مع تحمل مخاطر الخسارة، أو تقليص أيام الإبحار وربما تعليق النشاط مؤقتاً، وهو خيار لا ينعكس على الاستثمار وحده، بل يمتد إلى البحارة الذين يرتبط دخلهم بعدد الرحلات وحجم المصطادات.

وتبرز في هذا السياق مفارقة اقتصادية تستحق النقاش؛ فبينما يظل الصيد البحري قطاعاً استراتيجياً في توفير المنتجات البحرية وفرص الشغل وتحريك الاقتصاد الساحلي، لا تزال مسألة دعم كلفة الطاقة تثير خلافاً بين المهنيين والجهات الحكومية.

وقد طالبت غرفة الصيد البحري المتوسطية بتسقيف سعر الغازوال الموجه إلى المراكب في حدود تتراوح بين 7 و8 دراهم للتر، أو اعتماد آلية للتعويض الجزئي والمباشر عن فواتير المحروقات، معتبرة أن استمرار الأعباء الحالية يضعف القدرة التنافسية للمقاولات البحرية ويهدد استقرارها.

غير أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على الاستجابة لمطلب تخفيض السعر، بل تستدعي بناء تصور واضح للدعم يراعي اختلاف أصناف الأسطول وحجم استهلاك كل مركب وطبيعة المصيدة التي يشتغل فيها. فالدعم الموحد قد لا يحقق العدالة المطلوبة بين مركب للصيد الساحلي وآخر للصيد بأعالي البحار، كما أن أي آلية مالية تحتاج إلى ضوابط دقيقة تضمن وصولها إلى الممارسين الفعليين، وتمنع تحولها إلى امتياز غير مرتبط بالإنتاج أو باستمرارية النشاط.

ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل الانعكاسات الاجتماعية للأزمة، خصوصاً على البحارة الذين لا يتحكمون في أسعار المحروقات ولا في أثمان البيع الأول، لكنهم يتحملون جانباً من تبعات توقف المراكب أو تراجع عدد الرحلات. كما أن توقف النشاط في بعض الموانئ ينعكس على تجار السمك والناقلين والوسطاء ومزودي الخدمات، ما يجعل أزمة الوقود أوسع من مجرد خلاف حول تكلفة تشغيل المركب.

وتبقى المسؤولية المطروحة أمام الحكومة والقطاع الوصي هي الانتقال من مرحلة تشخيص الأزمة وتبادل المراسلات إلى بلورة إجراءات قابلة للتنفيذ، تجمع بين دعم مرحلي موجه، وتحسين شروط الاستغلال، وتشجيع الاستثمار في تقنيات أكثر نجاعة في استهلاك الطاقة. فاستمرار المراكب في الإبحار لا يمثل مصلحة أصحابها وحدهم، بل يرتبط بحماية فرص الشغل واستقرار تموين الأسواق وصون النشاط الاقتصادي للموانئ، وهو ما يجعل ملف الكازوال البحري اختباراً حقيقياً لمدى قدرة السياسات العمومية على مواكبة واقع القطاع.

شاهد أيضاً

السيد يوسف بنجلون رئيس جمعية اتحاد أرباب مراكب الصيد البحري بميناء طنجة يهنئ جلالة الملك بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء

بمناسبة الذكرى 51 للمسيرة الخضراء المظفرة، يتشرف السيد يوسف بنجلون رئيس جمعية اتحاد أرباب مراكب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *