حماية الثروة السمكية.. هل تكفي الراحة البيولوجية والقرارات التنظيمية لإنقاذ المصايد؟

تواجه الثروة السمكية بالمغرب تحدياً يتجاوز مجرد تراجع المصطادات في بعض الفترات أو ارتفاع أسعار المنتجات البحرية، ليطرح سؤالاً أعمق حول مدى قدرة منظومة تدبير المصايد على تحقيق التوازن بين استغلال الموارد البحرية وحمايتها من الاستنزاف. فالصيد البحري لا يمكن أن يستمر بمنطق الإنتاج الآني وحده، لأن الحفاظ على مردودية القطاع يظل مرتبطاً أساساً بقدرة المخزونات السمكية على التجدد، وبمدى احترام القواعد المنظمة لمواسم الصيد ومناطق الاستغلال وأدواته.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية في ضوء مؤشرات التراجع التي أثيرت داخل المؤسسة التشريعية. فقد استند سؤال كتابي وجه إلى كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، بتاريخ 9 يونيو 2026، إلى معطيات تفيد بأن قيمة منتجات الصيد الساحلي والتقليدي المسوقة بلغت حوالي 4.81 مليار درهم إلى غاية نهاية يونيو 2025، بوزن ناهز 391.3 ألف طن، مسجلة تراجعاً بنسبة 17 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2024. وهي أرقام وردت ضمن السؤال البرلماني الذي طالب بتعزيز المراقبة وحماية الثروة السمكية، وربط التراجع بعوامل من بينها الصيد الجائر والتغيرات المناخية واختلالات بنيوية وتنظيمية.

ولا يمكن قراءة هذه المؤشرات بمعزل عن طبيعة الضغوط التي تتعرض لها المصايد البحرية، إذ تتداخل العوامل البيئية والمناخية مع أنماط الاستغلال وممارسات الصيد ومدى احترام الضوابط القانونية. كما أن تراجع بعض الموارد لا يعني بالضرورة أن السبب واحد أو أن جميع المصايد تعرف الوضعية نفسها، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى معطيات علمية دقيقة ومحيّنة، تميز بين الأنواع والمناطق والفترات، وتساعد على اتخاذ قرارات تدبيرية تستند إلى واقع المخزون السمكي وليس إلى تقديرات عامة.

وفي هذا الإطار، تظل الراحة البيولوجية إحدى الأدوات الأساسية لحماية الموارد البحرية، من خلال منح بعض الأنواع فترة زمنية تسمح بالتكاثر وتجديد المخزون. غير أن فعاليتها ترتبط بمدى احترامها ومواكبتها بالمراقبة الميدانية والبحرية، لأن قرار منع الصيد خلال فترة معينة يفقد جزءاً كبيراً من أهدافه إذا استمرت ممارسات مخالفة، أو جرى الالتفاف على القيود المفروضة عبر تغيير معدات الصيد أو استهداف أنواع أخرى في المجال نفسه دون احترام الضوابط المحددة.

كما تبرز إشكالية أدوات الصيد غير الانتقائية باعتبارها من الملفات التي تستدعي معالجة أكثر صرامة، بالنظر إلى ما يمكن أن تسببه من اصطياد الأسماك اليافعة والأنواع غير المستهدفة، بما يؤثر على قدرة المخزونات على التجدد. ولذلك، فإن حماية الثروة السمكية لا ينبغي أن تقتصر على تحديد فترات المنع، بل يتعين أن تشمل مراجعة مستمرة لوسائل الصيد، وتعزيز الانتقائية، ومراقبة الأحجام القانونية للمصطادات، وضبط مناطق النشاط بما ينسجم مع خصوصية كل مصيدة.

لكن أحد أبرز التحديات يظل مرتبطاً بمدى نجاعة المراقبة وتكافؤ تطبيق القانون. فقد أثار السؤال البرلماني ذاته إشكالات تتعلق بضعف الإمكانيات المتاحة لبعض مندوبيات الصيد البحري، وبالحاجة إلى تعزيز مواردها وتحفيز الموظفين المكلفين بالمراقبة، مع التشديد على ضرورة تطبيق القواعد دون تمييز بين المهنيين. وهذه النقطة أساسية، لأن أي تفاوت في المراقبة أو ضعف في الإمكانيات قد يفتح المجال أمام استمرار ممارسات غير قانونية، ويضع المهنيين الملتزمين أمام منافسة غير متكافئة مع المخالفين.

ومن جهة أخرى، فإن حماية الثروة السمكية لا يمكن أن تتحول إلى قرارات إدارية منفصلة عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي للبحارة وأصحاب المراكب. ففرض قيود جديدة أو تمديد فترات الراحة البيولوجية، دون توفير مواكبة كافية للمهنيين المتضررين، قد يفاقم هشاشة فئات واسعة تعتمد على الصيد كمصدر رئيسي للدخل. لذلك، فإن نجاح سياسة الحفاظ على الموارد البحرية يقتضي تحقيق معادلة تجمع بين حماية المخزون وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي للمهنيين، مع إشراك ممثليهم في إعداد التدابير وتقييم نتائجها.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد القرارات الصادرة أو فترات المنع المعلنة، بل في مدى انعكاسها على حالة المصايد ومؤشرات تجدد المخزون السمكي. وهو ما يستدعي تقوية البحث العلمي البحري، وتطوير نظام المراقبة والتتبع، وتوفير الإمكانيات البشرية واللوجستية للمصالح المختصة، إلى جانب نشر معطيات دورية تسمح بتقييم أثر التدابير المعتمدة.

فالثروة السمكية ليست مورداً قابلاً للاستغلال بلا حدود، كما أن حماية البحر لا يمكن أن تتحقق بتحميل البحارة وحدهم كلفة الاختلالات. المطلوب هو تدبير متكامل يربط المسؤولية بالمراقبة، والقرارات بالمعطيات العلمية، والاستدامة بالعدالة المهنية والاجتماعية. ومن دون ذلك، ستظل الراحة البيولوجية والقرارات التنظيمية إجراءات ضرورية، لكنها غير كافية وحدها لضمان مستقبل المصايد البحرية بالمغرب.

شاهد أيضاً

السيد يوسف بنجلون رئيس جمعية اتحاد أرباب مراكب الصيد البحري بميناء طنجة يهنئ جلالة الملك بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء

بمناسبة الذكرى 51 للمسيرة الخضراء المظفرة، يتشرف السيد يوسف بنجلون رئيس جمعية اتحاد أرباب مراكب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *