
أثار قرار السماح باستغلال المرجان الأحمر بمنطقة توبو قبالة سواحل الحسيمة نقاشاً حول الأسس العلمية والبيئية التي استند إليها هذا الإجراء، خصوصاً بالنظر إلى الطبيعة الحساسة لهذا المورد البحري وبطء نموه وقابليته للتأثر بالضغط الناتج عن الاستغلال. وفي هذا السياق، تشير المعطيات العلمية المقدمة من طرف المعهد الوطني للبحث في الصيد، إلى أن القرار لم يأت في إطار فتح المجال أمام استغلال مكثف، وإنما يستند إلى مقاربة احترازية تقوم على تحديد نطاق النشاط وضبط كمياته وإخضاعه للتتبع المستمر.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن تدبير هذا المورد يأخذ بعين الاعتبار نتائج الأبحاث العلمية المنجزة، إلى جانب المقتضيات التنظيمية الوطنية والتوصيات المعتمدة على المستوى المتوسطي، ولا سيما تلك المرتبطة بالحفاظ على الموارد البحرية واستدامتها.
ويأتي الترخيص باستغلال المرجان الأحمر بعد فترة طويلة من توقف هذا النشاط، امتدت لما يقارب عقدين، وهي الفترة التي شكلت، وفق المعطيات المقدمة، مجالاً لتطور المعرفة العلمية حول وضعية هذا المورد وانتشاره بالمنطقة. كما سبق اتخاذ القرار إجراء دراسة ميدانية أنجزها باحثون تابعون للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، امتدت لنحو ستة أشهر وشملت عمليات استكشاف ومعاينة ومراقبة لمواقع انتشار المرجان الأحمر.
وتركزت هذه الأعمال العلمية على تحديد مناطق وجود تجمعات المرجان، وقياس كثافتها، ودراسة حالتها البيولوجية، فضلاً عن تقدير الكتلة الحيوية المتوفرة وتحديد الجزء الذي يمكن السماح باستغلاله دون إحداث ضغط غير متناسب على المخزون.
وتفيد نتائج التقييم، وفق المعطيات المقدمة، بأن وضعية الكتلة الحيوية للمرجان الأحمر بمنطقة توبو تعتبر جيدة، وأن هناك جزءاً منها يمكن استغلاله ضمن حدود وضوابط محددة. غير أن ذلك لا يعني فتح المجال أمام استغلال شامل للمورد، بل يتعلق الأمر بكمية محدودة تخضع لشروط مرتبطة بحجم المصطادات ومدة النشاط ومناطق الصيد والجهد المبذول.
وتشمل إجراءات التدبير اعتماد حجم أدنى للمرجان المسموح باستخراجه، بما يراعي الخصائص البيولوجية للنوع، إلى جانب تحديد حصة للصيد وفترة زمنية للاستغلال، فضلاً عن ضبط جهد الصيد وفق مستوى المخزون وقدرته على التجدد.
ولا يقتصر الأمر على تحديد شروط مسبقة للنشاط، إذ يرتقب أن يواكب الاستغلال نظام للتتبع العلمي يسمح بمراقبة تطورات المخزون خلال فترة النشاط وبعدها. ويشمل ذلك جمع المعطيات المتعلقة بالمصطادات، ورصد الخصائص البيولوجية للمستعمرات، ومتابعة الكميات المستخرجة ومدى احترام المناطق والأعماق والإحداثيات المحددة في التراخيص.
وفي هذا الإطار، يبرز نظام الصيد الحارس أو الاستشعاري «Pêche sentinelle» كآلية لإشراك المهنيين في توفير المعطيات الميدانية، حيث يمكن للمعلومات التي يتم جمعها أثناء عمليات الصيد أن تشكل رافداً إضافياً للمعطيات العلمية التي ينتجها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري.
ومن شأن الجمع بين الملاحظات الميدانية للمهنيين ونتائج الحملات العلمية أن يتيح صورة أكثر دقة عن تطور حالة المورد، وأن يساعد على قياس المؤشرات البيولوجية المرتبطة بقدرته على التجدد. كما يسمح هذا النهج بتعديل تدابير الاستغلال كلما أظهرت المعطيات الجديدة وجود تغيرات تستدعي التدخل.
وتكمن أهمية هذه الآلية في إمكانية الانتقال من تدبير ثابت إلى تدبير قابل للتكيف مع تطورات الوضع الميداني، بما يعني إمكانية تشديد شروط الاستغلال أو تقليص الكميات أو تغيير بعض التدابير، وصولاً إلى تعليق النشاط إذا أظهرت نتائج المراقبة العلمية مؤشرات مقلقة بشأن حالة المخزون.
وتكتسي هذه الضوابط أهمية إضافية بالنظر إلى حساسية المجال البحري بسواحل الحسيمة، خاصة مع قرب مناطق الاستغلال من المجال البحري المرتبط بالمنتزه الوطني للحسيمة. ولهذا، يفترض أن يتم الفصل بشكل واضح بين المناطق التي يسمح فيها بالنشاط وتلك التي تخضع لنظام الحماية، مع الاعتماد على إحداثيات جغرافية دقيقة لتحديد نطاق الاستغلال.
كما يرتبط احترام هذه الحدود بآليات المراقبة البحرية وتتبع تحركات مراكب الصيد، بما يسمح بالتحقق من وجودها داخل المناطق المرخصة ومقارنتها بالمعطيات المحددة في التراخيص. وينتظر أيضاً أن تشمل المراقبة الكميات المصطادة والمفرغة، ومقارنتها بالحصة المحددة، بهدف الحد من أي تجاوز محتمل.
وتضع هذه المقاربة المهنيين في موقع أساسي ضمن منظومة تدبير المورد، ليس فقط باعتبارهم مستفيدين من النشاط، وإنما أيضاً باعتبارهم مصدراً للمعطيات الميدانية التي يمكن أن تساعد في رصد التحولات التي قد تطرأ على توزيع المرجان الأحمر وحالته.
وفي المقابل، يبقى نجاح هذا النموذج مرتبطاً بمدى فعالية المراقبة واحترام قواعد الاستغلال، إلى جانب استمرار البحث العلمي وعدم الاكتفاء بنتائج التقييم الأولي للمخزون. فالمرجان الأحمر من الموارد التي تتطلب تدبيراً طويل الأمد بسبب خصائصه البيولوجية وبطء نموه، ما يجعل أي ارتفاع غير مضبوط في ضغط الاستغلال عاملاً قد يؤثر على قدرته على التجدد.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن السماح باستغلال المرجان الأحمر بمنطقة “طوبو” لا يندرج، وفق المقاربة المعلنة، ضمن سياسة فتح واسعة لهذا المورد، وإنما ضمن نشاط محدود ومؤقت ومحكوم بشروط تقنية وعلمية وتنظيمية، مع إمكانية إعادة النظر في قواعده تبعاً لما ستكشف عنه عمليات التتبع والمراقبة.
وتظل المعادلة الأساسية المطروحة هي تحقيق استفادة مهنية واقتصادية محدودة من المورد، دون تحويل ذلك إلى ضغط يهدد استدامته أو يؤثر على التوازن البيئي للمجال البحري. ولذلك، فإن استمرار النشاط يبقى عملياً مرتبطاً بمدى قدرة منظومة المراقبة والبحث العلمي على التأكد من أن الاستغلال لا يتجاوز قدرة المرجان الأحمر على التجدد، وأن حماية التنوع البيولوجي بسواحل الحسيمة تظل في صلب أي قرار يتعلق بمستقبل هذا المورد.
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه