العرائش تعبّئ البحارة لحماية “الذاكرة الغارقة” في أعماق البحر

في مبادرة تروم حماية الذاكرة الغارقة في أعماق البحر، تستعد مدينة العرائش لاحتضان لقاء تواصلي غير مسبوق لفائدة مهنيي الصيد البحري، بهدف تحويل الصيادين من مجرد عابرين فوق الكنوز البحرية إلى شركاء في حمايتها وصونها من الضياع أو الإتلاف.

وتنظم مؤسسة القصبة للنهوض بالتراث الثقافي للمدينة العتيقة بالعرائش، يوم 18 ماي 2026، هذا اللقاء التحسيسي بمقر تعاونية “ليكسوس” للصيد التقليدي، في سياق تنامي الاهتمام المغربي بالتراث المغمور بالمياه، باعتباره أحد المكونات الثقافية والتاريخية التي ما تزال غير مستكشفة بالشكل الكافي، رغم غنى السواحل المغربية بأحطام السفن واللقى الأثرية والمدن الغارقة.

ويأتي تنظيم هذا الموعد بشراكة مع المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول التراث المغمور بالمياه بالرباط، وبدعم لوجستي من قيادة الدرك الملكي البحري بالعرائش، ومندوبية الصيد البحري، ومعهد تكنولوجيا الصيد البحري، إلى جانب تعاونية ليكسوس للصيد التقليدي، وجمعية أصدقاء الموقع الأثري ليكسوس، وبدعم من جماعة العرائش.

ويعكس هذا التنسيق بين المؤسسات العلمية والأمنية والمهنية والمدنية إدراكاً متزايداً لأهمية التراث البحري باعتباره مسؤولية جماعية، تتقاطع فيها أدوار الباحثين والسلطات والصيادين والفاعلين المحليين.

ويهدف اللقاء أساساً إلى توعية مهنيي الصيد البحري بكيفية التعامل مع القطع الأثرية التي قد تعلق بشباكهم أثناء العمل اليومي في عرض البحر، من خلال تجنب إتلافها أو التخلص منها أو إخفائها، والعمل بدل ذلك على الإبلاغ عنها وفق المساطر القانونية المعمول بها.

ويؤكد المنظمون أن اختيار يوم 18 ماي لتنظيم هذا النشاط لم يكن اعتباطياً، إذ يتزامن مع تخليد اليوم العالمي للمتاحف، في إشارة رمزية إلى أن أعماق البحار بدورها تختزن “متاحف طبيعية” مفتوحة على ذاكرة إنسانية وحضارية فريدة.

كما يندرج هذا النشاط ضمن سلسلة مبادرات تروم الكشف عن مواقع التراث المغمور بالمياه، ودراستها وتوثيقها، مع التفكير مستقبلاً في تثمينها سياحياً عبر تطوير سياحة الغوص الثقافي، بما يساهم في تنويع العرض التراثي والسياحي المغربي.

وتبرز المبادرة أيضاً العلاقة التاريخية الخاصة التي تجمع مدينة العرائش بالبحر، باعتباره شرياناً اقتصادياً وحضارياً رافق المدينة عبر مختلف الحقب التاريخية. ويرجح باحثون أن تكون السواحل المقابلة للمدينة حاضنة لعدد مهم من اللقى الأثرية والبقايا التاريخية التي لم تُستكشف بعد بالشكل العلمي المطلوب.

ومن المنتظر أن يعرف اللقاء مشاركة عدد من الخبراء والمتخصصين، في مقدمتهم الأستاذ عز الدين كرا، مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول التراث المغمور بالمياه، والأستاذ هشام الحسيني، رئيس مصلحة الدراسات والأبحاث والجرد والتوثيق بالمركز نفسه، إلى جانب قائد قيادة الدرك الملكي البحري بمرسى العرائش.

وستركز المداخلات على آليات التعاطي مع اللقى الأثرية العالقة بشباك الصيد في المياه البحرية التابعة للمصائد الساحلية بالعرائش، مع تقديم توضيحات قانونية وتقنية للصيادين بشأن طرق التبليغ السليم عن هذه المكتشفات، بما يضمن حماية القطع الأثرية وعدم تعريض المهنيين لأي تبعات قانونية.

ويرى المنظمون أن هذا اللقاء قد يشكل بداية لشراكة طويلة الأمد بين الصيادين والباحثين في مجال التراث البحري، عبر إشراك البحارة بشكل فعلي في جهود الرصد والحماية، وتحويلهم إلى مساهمين مباشرين في الحفاظ على ذاكرة تاريخية ما تزال غارقة في الأعماق، تنتظر من يعيد اكتشافها وإخراجها إلى دائرة المعرفة.

ومن المرتقب أن تُختتم أشغال اللقاء بصياغة توصيات عملية، قد تمهد لإطلاق برامج تحسيسية دورية، وربما إعداد دليل موحد يحدد كيفية التعامل مع الآثار البحرية التي تعلق بمعدات الصيد، في خطوة ترمي إلى إرساء ثقافة جديدة قوامها حماية التراث بدل فقدانه في صمت البحر.

شاهد أيضاً

جمعية تكشف استنزاف “الميرو” بالمتوسط.. وتطالب بتشديد المراقبة على المطاعم

دقت جمعية “AZIR” ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بـ”الجريمة البيئية” التي تهدد مخزون سمك “الميرو” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *