المنارات البحرية.. حراس الصمت ودور حيوي في سلامة الملاحة البحرية

رغم التطور الكبير في تكنولوجيا الملاحة والاعتماد المتزايد على أنظمة التموضع العالمي (GPS) والرادارات المتطورة، لا تزال المنارات البحرية تحتفظ بمكانتها الرمزية والوظيفية كأعمدة مضيئة ترشد السفن وتؤمن سلامة مرورها، خاصة في المناطق الساحلية الوعرة والمعابر البحرية المعقدة.

المنارة البحرية، أو ما يُعرف بـ”الفنار”، ليست مجرد برج يعلوه ضوء وامض، بل هي مَعْلم استراتيجي يختزن تاريخًا من التضحيات والخدمات في سبيل الملاحة الآمنة. فقد لعبت المنارات منذ قرون دورًا أساسيًا في إرشاد البحارة، وتفادي الاصطدام بالصخور أو الغرق في الممرات الضيقة أو الشواطئ الوعرة، وخاصة أثناء الضباب أو العواصف أو في ظلمة الليل.

وعلى سواحل المغرب، تنتشر العشرات من المنارات من طنجة إلى الكويرة، من بينها منارات تاريخية تعود إلى الحقبة الاستعمارية، وأخرى حديثة تم تأهيلها وتجهيزها بأحدث التقنيات الضوئية والراديوية. وتساهم هذه المنارات في تعزيز أمن وسلامة الملاحة التجارية والصيد البحري، عبر إرسال إشارات ضوئية منتظمة تُعرّف بموقع الساحل وتُحدد اتجاهاته، إلى جانب إشارات صوتية في بعض الحالات، خاصة في فترات الضباب الكثيف.

ويرتبط تشغيل المنارات عادة بشبكة وطنية تشرف عليها مديريات تابعة لوزارة التجهيز والماء، خصوصًا مديرية الملاحة التجارية، حيث تُعتمد صيانة دورية للمنارات لضمان جاهزيتها، كما يتم مراقبة أدائها باستمرار لتفادي أي خلل قد يُعرّض السفن لخطر.

وتُعد المنارات كذلك عنصرًا هامًا في منظومة الإنقاذ البحري، حيث تستعمل كنقاط مرجعية لتحديد مواقع نداءات الاستغاثة، وكذا لتوجيه وحدات الإنقاذ في حالات الحوادث أو فقدان الاتصال بالسفن.

ورغم أن الكثير من المنارات أصبحت تُدار أوتوماتيكيًا، فقد ظلت بعض المنارات مأهولة بحراس يعملون في ظروف قاسية ومعزولة، في صمت ونكران للذات، يشكلون خط الدفاع الأول في وجه المخاطر البحرية.

إن استمرار الاهتمام بالمنارات وتحديثها، وتثمين دورها كجزء من التراث البحري، يمثل اعترافًا بمكانتها في ضمان سلامة الأرواح والممتلكات في البحر، إلى جانب ما تمثله من رمزية إنسانية وتاريخية لا تقدر بثمن.

ففي عالم لا يتوقف عن التغير، تظل المنارات شاهدة على الوفاء للمهمة النبيلة: إنارة الطريق وسط الظلمات.

البحر24

شاهد أيضاً

تفاصيل صرف الدعم المالي العمومي لفائدة لوائح المترشحين أقل من 35 سنة

صادق مجلس الحكومة،  الخميس، على مشروع المرسوم رقم 2.26.311 بتحديد شروط وكيفيات صرف الدعم المالي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *