
تشكل فترة الراحة البيولوجية واحدة من التدابير الأساسية التي تعتمدها الدولة لحماية الثروة البحرية وضمان استدامتها، لكن هذه الخطوة، رغم ضرورتها البيئية والاقتصادية على المدى البعيد، تطرح في كل سنة إشكالات اجتماعية حقيقية تلامس معيش البحارة وأسرهم، خاصة في المناطق التي يرتبط فيها النشاط البحري بمصدر الرزق الوحيد.
خلال هذه الفترة، يتم توقيف نشاط صيد بعض الأنواع البحرية بهدف تمكينها من التكاثر وتجديد المخزون السمكي. ويشمل القرار عادة أصنافًا بعينها كالأخطبوط، والجمبري، وسمك السردين أو خيار البحر، حسب الفترات والجهات البحرية، وفقًا لتوصيات المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري. لكن البحار البسيط، الذي لا يتوفر على مدخرات ولا بدائل، يجد نفسه وجهاً لوجه مع فراغ قاتل، حيث تتوقف المداخيل دون تعويض فعلي أو برامج بديلة توفر الحد الأدنى من الدخل أو فرص الاشتغال المؤقت.
في موانئ مثل طانطان، الداخلة، آسفي والناظور، تتكرر نفس المعاناة كل سنة. بحارة يواجهون أسابيع أو شهورًا من التوقف، في ظل التزامات أسرية وضغوط معيشية خانقة. بعضهم يضطر للبحث عن أعمال هامشية لا تمت بصلة لتخصصهم، وآخرون يظلون عاطلين، بانتظار إعلان نهاية الراحة وعودة الحياة إلى البحر. كما أن غياب الدعم المباشر أو برامج الإدماج الاقتصادي البديلة يزيد من تأزيم الوضع.
وتقر الجهات الرسمية بأن هذه الفترة ضرورية لحماية الثروة البحرية من الاستنزاف، خاصة في ظل الضغط الكبير الذي تعرفه بعض المصايد، بفعل كثافة الاستغلال وتغيرات المناخ والأنشطة غير القانونية. ويؤكد خبراء في المجال أن نتائج هذه السياسة تظهر على المدى المتوسط، من خلال تحسن المخزون وزيادة الكمية المصطادة بعد انتهاء الراحة، لكن البحارة غالبًا ما يطلبون موازنة بين الحفاظ البيولوجي والعدالة الاجتماعية.
في المقابل، يرى بعض المهنيين أن نجاح هذه السياسة مرهون بوجود آليات دعم مواكبة، تشمل تعويضات مالية مباشرة للبحارة، أو برامج تشغيل بديل في الموانئ ومحيطها خلال فترة التوقف، إلى جانب توفير التكوين وإعادة التأهيل المهني. كما يطالب آخرون بإشراك البحارة والنقابات في تحديد فترات الراحة، حتى لا يتم اتخاذ القرارات بشكل فوقي دون مراعاة لخصوصيات كل منطقة.
في العمق، لا يبدو أن هناك خلافًا حول مبدأ الراحة البيولوجية، بقدر ما يكمن التوتر في طبيعة مواكبتها الاجتماعية والاقتصادية. فاستدامة البحر لا يمكن فصلها عن استقرار من يعيشون منه.
وفي غياب رؤية شاملة تربط الإيكولوجي بالاجتماعي، ستظل فترات الراحة البيولوجية مصدر توتر موسمي يتكرر كل عام، ويعمّق فجوة الثقة بين البحار والمؤسسات.
خاص- البحر24
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه