الصادرات البحرية المغربية في مواجهة التضخم العالمي.. ثروة المحيطات رهان لتعزيز موقع المملكة في الأسواق الدولية

لم تعد الثروة البحرية المغربية مجرد مورد طبيعي يساهم في تموين الأسواق الداخلية وتوفير فرص الشغل، بل تحولت إلى رافعة اقتصادية وتجارية تحظى بأهمية متزايدة في معادلة الصادرات الوطنية، خصوصا في ظل التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة والتخزين، وما تفرضه التقلبات التضخمية من ضغوط متواصلة على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

وفي خضم هذه التحولات، يواجه قطاع المنتجات البحرية المغربي اختبارا مزدوجا، يتمثل من جهة في الحفاظ على تنافسيته داخل الأسواق الخارجية، ومن جهة ثانية في ضمان استدامة الموارد السمكية التي تشكل المادة الأولية للصناعات التحويلية والتصديرية، في وقت لم يعد فيه التنافس الدولي قائما فقط على حجم الإنتاج، بل أصبح مرتبطا أيضا بجودة المنتوج، وشروط التتبع والمراقبة، والقدرة على احترام المعايير الصحية والبيئية المعتمدة في الأسواق الدولية.

وتبرز أهمية هذا الرهان بالنظر إلى تنوع العرض البحري المغربي، الذي يشمل الأسماك المجمدة والمعلبة، والمنتجات نصف المحفوظة، ورأسيات الأرجل والقشريات والرخويات، فضلا عن دقيق وزيت السمك ومختلف المنتجات ذات القيمة المضافة. وهي سلسلة إنتاجية تمتد من الموانئ ومواقع التفريغ إلى وحدات التجميد والتصبير والتحويل، قبل وصول المنتجات المغربية إلى أسواق أوروبية وإفريقية وآسيوية وأمريكية.

وتكشف المؤشرات التجارية عن الوزن الذي باتت تحتله هذه المنتجات في المبادلات الخارجية للمملكة. فبحسب بيانات التجارة الدولية، بلغت صادرات المغرب من الأسماك والقشريات والرخويات واللافقاريات المائية نحو 1.89 مليار دولار خلال سنة 2025، أي ما يقارب 17.7 مليار درهم، مع تسجيل تركيز ملحوظ للصادرات في السوق الإسبانية التي استحوذت على حوالي 57 في المائة من قيمة صادرات هذه الفئة.

كما تبرز صناعة تصبير السردين باعتبارها أحد أعمدة الحضور المغربي في الأسواق الدولية، إذ بلغت صادرات السردين المحضر أو المحفوظ حوالي 671 مليون دولار سنة 2025، مقابل نحو 702 مليون دولار سنة 2024، وفق بيانات قاعدة التجارة الدولية التابعة للبنك الدولي. وهو تراجع يعكس حجم التحديات التي تواجه هذا النشاط، رغم استمرار حضوره القوي في الأسواق الخارجية.

وتتجاوز أهمية هذه الأرقام مجرد تسجيل مداخيل بالعملة الصعبة، بالنظر إلى ارتباطها بمنظومة اقتصادية واجتماعية واسعة تضم الصيادين والبحارة وأرباب مراكب الصيد، ووحدات التجميد والتصبير والتحويل، وشركات النقل والتوزيع والتصدير، فضلا عن آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة التي ترتبط باستمرارية هذه الأنشطة.

غير أن هذا الأداء يواجه تحديات متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة والمحروقات والتبريد والتخزين والنقل البحري والبري، إلى جانب أسعار مواد التلفيف والتعليب ومدخلات الإنتاج. وتكتسي هذه العوامل أهمية خاصة بالنسبة للصناعات البحرية التي تعتمد على سلاسل تبريد متواصلة، إذ إن أي ارتفاع في كلفة هذه الخدمات ينعكس مباشرة على هوامش الربح والقدرة على منافسة المنتجات القادمة من دول أخرى.

وفي المقابل، لم تعد وفرة الموارد السمكية وحدها كافية لضمان استقرار الصادرات، بعدما أصبحت الصناعات التحويلية تواجه تحديات مرتبطة بتأمين المادة الأولية وانتظام التزويد. وتؤشر المعطيات المتعلقة بسنة 2025 إلى تراجع قيمة المنتجات المسوقة من الصيد الساحلي والتقليدي إلى 10.11 مليارات درهم، بانخفاض نسبته 4 في المائة، فيما تراجع الحجم الإجمالي للمفرغات بنسبة 15 في المائة ليستقر عند نحو 1.13 مليون طن.

وتطرح هذه المؤشرات سؤالا جوهريا حول قدرة المنظومة الوطنية على تحقيق التوازن بين متطلبات التصدير وحاجيات السوق الداخلية، خصوصا بالنسبة للأنواع ذات الاستهلاك الواسع، وفي مقدمتها السردين، الذي يشكل مادة أساسية في الصناعة الغذائية المغربية، فضلا عن أهميته في القدرة الشرائية للأسر.

ومن بين التحديات الأخرى التي تفرض نفسها على القطاع، مسألة تنويع الأسواق الخارجية وعدم الارتهان لعدد محدود من الشركاء التجاريين، إذ إن التركيز الكبير للصادرات في السوق الأوروبية يجعل جزءا مهما من الصناعات البحرية المغربية مرتبطا بالتقلبات الاقتصادية والاستهلاكية والتنظيمية داخل هذه الأسواق. وهو ما يفرض البحث عن منافذ تجارية جديدة في إفريقيا وأمريكا وآسيا، مع تطوير آليات التسويق والترويج للمنتجات المغربية.

وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة الانتقال من نموذج يعتمد أساسا على تصدير المنتجات في صورتها الأولية أو المجمدة، نحو نموذج صناعي أكثر قدرة على خلق القيمة المضافة، عبر الاستثمار في التحويل والتعليب والتثمين والتطوير التكنولوجي، بما يسمح بتحقيق عائد اقتصادي أكبر من كل طن من المنتجات البحرية، ويدعم تنافسية المقاولات الوطنية أمام المنافسة الدولية.

كما أن الحفاظ على موقع المغرب في سوق المنتجات البحرية يظل رهينا بمدى احترام معايير الاستدامة والتدبير العلمي للمخزونات السمكية، ومكافحة الصيد غير القانوني، وتحسين ظروف العمل والتتبع داخل سلاسل الإنتاج، وهي عناصر أصبحت تشكل محددات أساسية في ولوج الأسواق الدولية، ولم تعد مجرد شروط تقنية أو إدارية.

وبين رهانات التضخم العالمي وضغوط المنافسة الدولية وتحديات استدامة الثروة السمكية، يجد الاقتصاد البحري المغربي نفسه أمام مرحلة تتطلب إعادة تقييم أولويات التصدير والتصنيع والتدبير. فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بكمية الأسماك التي تغادر الموانئ نحو الخارج، وإنما بحجم القيمة الاقتصادية التي ينجح المغرب في الاحتفاظ بها داخل منظومته الإنتاجية، وبمدى انعكاس عائدات هذا النشاط على المهنيين والاستثمار والتشغيل والتنمية الساحلية.

فالرهان الحقيقي لم يعد تصدير المزيد من المنتجات البحرية فحسب، بل تحويل الثروة التي تزخر بها السواحل المغربية إلى قوة صناعية وتجارية مستدامة، قادرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية دون استنزاف الرصيد السمكي أو التضحية بمصالح المهنيين والاقتصاد الوطني.

شاهد أيضاً

رفع حظر جمع وتسويق الصدفيات بالمنطقة المصنفة (تامري-كاب غير)

أعلنت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، اليوم الخميس، رفع حظر جمع وتسويق الصدفيات بالمنطقة المصنفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *