
يواجه قطاع الصيد البحري بالمغرب تحدياً متزايداً يتمثل في ضعف إقبال فئة الشباب على العمل في المهن المرتبطة بالبحر، في وقت يواصل فيه القطاع أداء أدوار مهمة على مستوى الاقتصاد الوطني وتشغيل اليد العاملة، خاصة في المدن والمناطق الساحلية.
وتكشف المعطيات المتداولة في أوساط مهنيي القطاع أن مهنة الصيد البحري لم تعد بالنسبة إلى عدد من الشباب الخيار المهني الأول، بسبب طبيعة العمل الشاقة وما يرتبط بها من مخاطر وظروف اشتغال تختلف بشكل كبير عن عدد من المهن الأخرى. فالعمل على متن مراكب الصيد يتطلب البقاء لساعات طويلة في البحر، وتحمل تقلبات الأحوال الجوية، فضلاً عن الابتعاد عن الأسرة لفترات قد تطول بحسب نوع الصيد وطبيعة الرحلات البحرية.
ويرتبط العزوف أيضاً، بحسب مهنيين، بعدم استقرار المداخيل بالنسبة إلى عدد من العاملين في بعض أصناف الصيد، إذ تظل المداخيل مرتبطة بالمصطادات ومردودية الرحلات وتكاليف الاستغلال، وهو ما يجعل المهنة أقل جاذبية أمام شباب يبحثون عن دخل أكثر استقراراً ومسار مهني واضح.
كما تبرز مسألة ظروف العمل والحماية الاجتماعية كأحد العوامل التي تؤثر في صورة المهنة لدى الجيل الجديد، خصوصاً مع ارتفاع تطلعات الشباب إلى وظائف توفر الاستقرار والتغطية الاجتماعية وإمكانية التطور المهني. ويجد بعض الشباب أنفسهم أمام مقارنة بين العمل في البحر ومهن أخرى ظهرت خلال السنوات الأخيرة، سواء في الصناعة أو الخدمات أو اللوجستيك، وتوفر في بعض الحالات شروطاً أكثر انتظاماً من حيث ساعات العمل والاستقرار.
ويطرح مهنيون كذلك إشكالية تجديد اليد العاملة داخل القطاع، بعدما أصبحت بعض المهن البحرية تعتمد بدرجة كبيرة على خبرة البحارة التقليدية وانتقال المهنة داخل الأسر. غير أن هذا النموذج يواجه صعوبة في الاستمرار مع تغير تطلعات الأجيال الجديدة وتراجع رغبة بعض أبناء البحارة في مواصلة مهن آبائهم.
وفي المقابل، يرى متابعون أن معالجة إشكالية عزوف الشباب لا ترتبط فقط بزيادة عدد فرص العمل، وإنما تتطلب تحسين جاذبية المهنة نفسها، من خلال تطوير التكوين البحري، ورفع مستوى السلامة على متن المراكب، وتحسين ظروف العمل والحماية الاجتماعية، إلى جانب فتح مسارات واضحة للترقي المهني أمام الشباب الراغبين في الالتحاق بالقطاع.
وتتجه الأنظار، في هذا السياق، إلى مدى قدرة القطاع على الانتقال من صورة مهنة شاقة مرتبطة بالعمل التقليدي في البحر إلى قطاع مهني حديث يستفيد من التكنولوجيا والتكوين والرقمنة، ويوفر للشباب فرصاً في مجالات متعددة، لا تقتصر فقط على العمل المباشر فوق متن مراكب الصيد.
ويبقى تحدي استقطاب الشباب من الملفات التي تفرض نفسها على مستقبل الصيد البحري، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تجديد الموارد البشرية والحفاظ على الخبرة المهنية المتراكمة داخل القطاع، بما يضمن استمرار المهن البحرية وتطورها في السنوات المقبلة.
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه