ظاهرة تراجع الثروة السمكية تضغط على نشاط الصيد البحري وتعيد طرح الاستدامة

تفرض التحولات التي يشهدها قطاع الصيد البحري بالمغرب، خصوصاً على مستوى المصايد الساحلية والمتوسطية، إعادة فتح النقاش حول ظاهرة تراجع بعض الموارد السمكية وتداعياتها المباشرة على المهنيين وسلاسل الإنتاج والتسويق المرتبطة بالبحر.

وتتداخل في هذه الظاهرة مجموعة من العوامل، من بينها الضغط المتزايد على بعض المصايد، وتغير الظروف المناخية وارتفاع درجات حرارة مياه البحر، إلى جانب التلوث البحري وتدهور بعض المواطن الطبيعية التي تشكل مناطق للتكاثر والنمو بالنسبة لعدد من الأنواع.

ويجد البحارة ومجهزو مراكب الصيد أنفسهم في مواجهة معادلة صعبة؛ فكلما تراجعت وفرة الأسماك ارتفعت كلفة الرحلات البحرية، في وقت لا تتراجع فيه بالضرورة المصاريف المرتبطة بالوقود واليد العاملة والصيانة والمعدات. وهو ما يجعل انخفاض المردودية ينعكس سريعاً على دخل المهنيين وعلى مختلف الأنشطة المرتبطة بالموانئ.

ولا تتوقف تداعيات الظاهرة عند حدود المراكب والبحارة، إذ تمتد إلى أسواق السمك وتجار الجملة والتقسيط ووحدات التثمين والتصبير والنقل، فضلاً عن الأسر التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على الاقتصاد البحري.

ويحذر مهنيون من أن استمرار الضغط على الموارد من دون تعزيز إجراءات المراقبة والحفاظ على فترات الراحة البيولوجية قد يؤدي إلى تعقيد الوضع مستقبلاً، خصوصاً بالنسبة للأنواع التي تحتاج إلى فترات زمنية أطول لاستعادة مخزوناتها.

وفي المقابل، تبرز أهمية المعطيات العلمية في تحديد وضعية كل مصيدة على حدة، بدل اعتماد مقاربة موحدة على مختلف المناطق والأنواع. فالتدبير المستدام للثروة السمكية يفترض ربط قرارات الصيد بنتائج الأبحاث العلمية، ومراقبة تطور المخزونات، وتقييم تأثير التغيرات المناخية والأنشطة البشرية على الوسط البحري.

كما أن حماية المناطق الحساسة ومناطق التكاثر يمكن أن تشكل إحدى الآليات المهمة لإعادة بناء المخزونات، إلى جانب محاربة الصيد غير القانوني والممارسات التي تؤدي إلى اصطياد الأسماك الصغيرة قبل بلوغها مرحلة التكاثر.

وتطرح هذه الوضعية أيضاً سؤالاً أوسع يتعلق بمستقبل الاقتصاد البحري، إذ إن الحفاظ على الثروة السمكية لم يعد مجرد قضية بيئية، وإنما أصبح مرتبطاً مباشرة باستمرارية آلاف فرص العمل ومداخيل الأسر واستقرار النشاط داخل الموانئ.

وبين مطالب المهنيين بالحفاظ على مردودية نشاطهم وضرورة حماية الموارد من الاستنزاف، يبدو أن التحدي الحقيقي يتمثل في إيجاد توازن بين الاستغلال الاقتصادي للبحر وضمان قدرة المصايد على التجدد. وهو توازن لن يتحقق فقط عبر تشديد المراقبة، وإنما يحتاج كذلك إلى رؤية طويلة الأمد تجمع بين البحث العلمي، والتدبير المهني، وحماية البيئة البحرية، وإشراك الفاعلين في اتخاذ القرارات التي تحدد مستقبل القطاع.

شاهد أيضاً

أسرار نجاح  النرويج في تحويل الاستزراع المائي إلى صناعة استراتيجية؟ 

ahya   لم تعد تربية الأحياء المائية مجرد نشاط مكمل للصيد البحري في عدد من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *