قدّم المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH) خلال أبريل 2026 عرضاً علمياً مفصلاً حول وضعية مصايد الأربيان (القيمرون) بالمغرب، مسلطاً الضوء بشكل خاص على الأربيان الوردي باعتباره النوع المهيمن والأكثر أهمية اقتصادياً. وكشف العرض عن معطيات دقيقة تهم بنية الاستغلال، تطور الإنتاج، دينامية المخزون، إضافة إلى التحديات التي تواجه استدامة هذا المورد البحري الحيوي.
وأوضح المعهد أن الأربيان الوردي يهيمن بشكل شبه مطلق على المصطادات، إذ يمثل 92% من الصيد الساحلي في الواجهة الأطلسية و97% في البحر الأبيض المتوسط، بينما يشكل 77% من مصطادات سفن التجميد في أعالي البحار. غير أن هذه الهيمنة تصاحبها صعوبة علمية تتمثل في التمييز الدقيق بين أنواع الأربيان الوردي بسبب التشابه المورفولوجي، وهو ما يؤثر على جودة المعطيات الإحصائية ويحد من دقة تقييم المخزون. وعلى المستوى الاقتصادي، يحتل هذا النوع المرتبة الأولى من حيث الكميات المفرغة، كما يعد مورداً شبه حصري لسفن التجميد بالنظر إلى قيمته التجارية المرتفعة.
وسجل الإنتاج الإجمالي للأربيان الوردي سنة 2025 حوالي 9,707 أطنان، بزيادة بلغت 13% مقارنة بالمعدل التاريخي منذ سنة 2000، ما يعكس تحسناً على مستوى الكميات. غير أن هذا الارتفاع يخفي تراجعاً ملحوظاً في الإنتاجية، خاصة في أعالي البحار، حيث انخفض مؤشر المردودية بنسبة 74% منذ سنة 2000، رغم تسجيل استقرار نسبي وبوادر تعافٍ منذ 2021. في المقابل، أظهرت المصايد الساحلية بالأطلسي منحى تصاعدياً تدريجياً في الإنتاجية. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026، تم تسجيل تحسن في الواجهة الأطلسية بنسبة 8% في الإنتاج و11% في الإنتاجية بالنسبة للأسطول الساحلي، بينما عرفت المصايد المتوسطية تراجعاً مقلقاً بنسبة 41% في الإنتاج و13% في الإنتاجية، ما يشير إلى انخفاض وفرة المخزون بهذه المنطقة.
وأبرزت نتائج حملات التقييم المباشر لسنة 2025 وجود تباين جغرافي واضح في توزيع الأحجام، حيث تمثل مناطق الناظور وأكادير مجالات حضانة ونمو تهيمن فيها الأفراد الصغيرة، في حين تسود الأربيان البالغة في مناطق المضيق والعرائش، مع وضعية مختلطة في الدار البيضاء. كما أظهرت المعطيات دينامية موسمية للمخزون، حيث يكون توزيعه محدوداً خلال فصل الشتاء، قبل أن يتركز بكثافة في المناطق الساحلية خلال الصيف، في سلوك يعكس انتقال الأفراد نحو الشواطئ. وقد بلغت المردودية المتوسطة في الواجهة الأطلسية 1.81 كلغ لكل 30 دقيقة جر خلال سنة 2025، مع تسجيل تقلبات دورية مرتبطة بالظروف البيئية والمناخية.
وخلص التشخيص العلمي إلى أن مخزون الأربيان في الواجهة الأطلسية لا يزال يعاني من استغلال مفرط، حيث إن الكتلة الحية الحالية غير كافية لضمان توازن بيولوجي مستدام، خاصة في ظل استمرار صيد الأفراد الصغيرة. في المقابل، شهدت المصايد المتوسطية تحسناً نسبياً منذ سنة 2023، حيث انتقلت من حالة الاستغلال المفرط إلى الاستغلال المستدام، غير أن هذا التحسن ترافق مع تغيرات في بنية النظام البيئي، أبرزها هيمنة الأربيان الوردي والأخطبوط نتيجة تراجع الأسماك المفترسة. ويرجع المعهد هذه الاختلالات إلى عدة عوامل، من بينها الضغط المتزايد على المناطق الساحلية، تدهور المواطن الطبيعية، إلى جانب التغيرات البيئية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة والتلوث.
وفي إطار مواجهة هذه التحديات، أوصى المعهد باعتماد مجموعة من التدابير الرامية إلى إعادة التوازن للمخزون وضمان استدامته، من بينها تحديد الحجم الأدنى لصيد الأربيان في 23 ملم (طول الرأس) لحماية صغار الأفراد، وفرض استخدام شباك بفتحة عين لا تقل عن 50 ملم لتحسين انتقائية الصيد. كما دعا إلى تطوير تقنيات انتقائية لصيد الميرلا (النازلي) عبر اعتماد غرف انتقائية للحد من صيد صغارها، وإقرار فترات راحة بيولوجية مزدوجة خلال الشتاء والصيف موزعة حسب المناطق شمال وجنوب آسفي، إضافة إلى منع الصيد في الأعماق التي تتجاوز 500 متر خلال شهر يوليوز لحماية الأربيان الملكي، وتحديد مسافة دنيا للصيد الساحلي في 6 أميال بحرية.
وشدد العرض على أهمية اعتماد حكامة تشاركية من خلال إشراك المهنيين في مراقبة المصايد عبر برنامج “الصيد الحارس”، وتعزيز دور اللجان المحلية في اتخاذ قرارات تكيفية مبنية على المعطيات الميدانية. ويؤكد هذا التشخيص أن مصايد الأربيان بالمغرب تواجه تحديات بنيوية تتطلب توازناً دقيقاً بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على الموارد، بما يضمن استدامتها على المدى الطويل.
هاجر البقالي- البحر24
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه