
شهدت أشغال الدورة الأخيرة لغرفة الصيد البحري المتوسطية نقاشاً معمقاً حول وضعية استغلال وجمع الصدفيات على مستوى الواجهة المتوسطية، في ظل تزايد ملحوظ للضغط على هذا النشاط خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث تنامي عدد المتدخلين أو ارتفاع وتيرة الاستغلال، وهو ما بات يطرح تحديات حقيقية مرتبطة بضرورة الحفاظ على استدامة هذه الموارد البحرية الحساسة.
وفي هذا السياق، أكد المهنيون خلال مداخلاتهم على أهمية اعتماد مقاربة جديدة تقوم على توسيع مجالات الاستغلال بشكل مدروس، من خلال فتح مناطق إضافية تستجيب لمعايير علمية دقيقة، تراعي قدرة المخزون على التجدد الطبيعي، بما من شأنه تخفيف الضغط المتزايد على المناطق المستغلة حالياً، وتحقيق نوع من التوازن في توزيع مجهود الصيد.
كما تم طرح مقترح إطلاق عملية صيد تجريبية لصنف “البرير الصغير” على مستوى منطقة تارغة–قاع اسراس، وذلك بهدف تقييم الإمكانيات الحقيقية لهذا المورد ميدانياً، واستكشاف مدى قابليته للاستغلال في إطار مستدام، تمهيداً لإدماج هذه المنطقة مستقبلاً ضمن المجالات المنتجة، في حال أثبتت النتائج العلمية جدوى ذلك.
غير أن المعطيات العلمية التي قدمها ممثلو المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري خلال نفس الدورة، كشفت عن مؤشرات مقلقة بخصوص وضعية هذا الصنف من الصدفيات بالمناطق موضوع الدراسة، حيث أظهرت نتائج التقييم أن توزيع “البرير الصغير” يتميز بعدم التجانس، مع تمركز واضح للنواة الأساسية للمخزون داخل نطاق جغرافي محدود، وهو ما يجعله عرضة بشكل كبير لأي ضغط استغلالي غير متحكم فيه.
وأكد العرض العلمي أن هذا التمركز يشكل عامل هشاشة حقيقي، إذ إن استهداف هذه النواة بشكل مباشر قد يؤدي إلى استنزافها بسرعة، وتقليص قدرتها على التجدد، ما قد يفضي إلى انهيار المخزون في ظرف وجيز. وفي هذا الإطار، تم استحضار تجارب سابقة ببعض المناطق الساحلية، خاصة بإقليم الناظور، حيث أدى الإجهاد المفرط إلى انهيار مخزون مماثل، وهو سيناريو حذر منه الخبراء في حال تكرار نفس أنماط الاستغلال.
وبناءً على هذه المعطيات، خلص الرأي العلمي إلى توصية واضحة تدعو إلى اعتماد مقاربة احترازية صارمة، تقوم على الحد من الاستغلال إلى أدنى مستوياته، أو تعليقه بشكل مؤقت إلى حين استعادة التوازن البيولوجي للمخزون، مع ضرورة إخضاع المنطقة لتتبع علمي دقيق ومستمر.
وفي ختام النقاش، تم التأكيد على أهمية تعزيز التنسيق بين المهنيين والمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، عبر تنظيم اجتماعات تقنية دورية مخصصة لهذا الملف، بهدف بلورة حلول عملية تضمن استغلالاً عقلانياً ومستداماً لهذا المورد، بما يحافظ على التوازن البيئي ويصون مصالح المهنيين على المدى البعيد.
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه