
يثير تكرار مشاهد امتلاء السدود وحدوث فيضانات مفاجئة، رغم قرب المصبات البحرية، تساؤلات واسعة لدى الرأي العام حول معنى “امتلاء السد” وما المقصود بكون “البحر يرفض استقبال المياه”، وأين تكمن الخطورة الحقيقية في هذا الوضع الذي يتكرر مع كل موسم أمطار غزيرة.
من الناحية التقنية، يعني امتلاء السد بلوغ منسوب المياه المخزنة الحد الأقصى للطاقة الاستيعابية المسموح بها هندسياً. وعند هذه النقطة، يصبح أي تدفق إضافي ناتج عن التساقطات أو السيول عاملاً ضاغطاً على جسم السد ومنشآته، ما يفرض اللجوء إلى تصريف المياه عبر المفرغات أو بوابات الأمان لتفادي أخطار الانهيار أو التصدع.
أما ما يُتداول إعلامياً وشعبياً بكون “البحر يرفض استقبال المياه”، فلا يحمل معنى حرفياً، بل يحيل إلى وضع هيدرولوجي معقّد، يتمثل في تلاقي عدة عوامل طبيعية تجعل تصريف مياه الأودية نحو البحر بطيئاً أو شبه متعذر. من أبرز هذه العوامل ارتفاع منسوب مياه البحر بسبب المدّ أو العواصف البحرية، ما يخلق ضغطاً معاكساً عند مصبات الأودية، إضافة إلى تراكم الرواسب الرملية والطمي، وضعف قدرة المجاري المائية على تصريف الكميات الكبيرة من المياه في وقت وجيز.
الخطر الحقيقي: فيضانات مفاجئة وضغط على البنيات
تكمن الخطورة الأساسية في هذا الوضع في ارتفاع احتمال حدوث فيضانات مفاجئة، خاصة في المناطق المنخفضة والقريبة من مجاري الأودية والسدود. فعندما يمتلئ السد ويصبح البحر غير قادر على استيعاب التدفقات القادمة، تتراكم المياه في اتجاه اليابسة، ما يؤدي إلى غمر الأراضي الفلاحية، وتضرر البنيات التحتية، وتهديد التجمعات السكنية، خصوصاً تلك المقامة في مجالات فيضانية معروفة تاريخياً.
كما يشكل الضغط المتزايد على السدود تحدياً إضافياً، إذ إن التصريف الاضطراري لكميات كبيرة من المياه في وقت قصير، حتى وإن كان إجراءً وقائياً، قد يرفع منسوب الأودية بشكل مفاجئ أسفل السد، ما يضاعف المخاطر إذا لم يكن السكان والسلطات المحلية في حالة تأهب.
إشكالية التخطيط والتغيرات المناخية
يرى خبراء في تدبير الموارد المائية أن هذه الظواهر تكشف حدود بعض الاختيارات المرتبطة بالتخطيط العمراني واستغلال المجال. فالتوسع العمراني قرب الأودية ومصباتها، وردم المجاري الطبيعية، وإهمال صيانة قنوات التصريف، كلها عوامل تزيد من حدة المخاطر عند تلاقي امتلاء السدود مع اضطراب التصريف نحو البحر.
وتزداد هذه الإشكالات تعقيداً في ظل التغيرات المناخية، التي باتت تفرض نمطاً متطرفاً من التساقطات، يتمثل في فترات جفاف طويلة تتبعها أمطار غزيرة ومركزة في زمن قصير، وهو ما يفوق في كثير من الأحيان القدرة الاستيعابية للسدود والبنيات الهيدروليكية التقليدية.
بين التدبير الاستباقي وواجب التواصل
في هذا السياق، يؤكد مختصون أن الخطر لا يكمن فقط في الظاهرة الطبيعية في حد ذاتها، بل في كيفية تدبيرها والتواصل بشأنها. فالتدبير الاستباقي، القائم على المراقبة المستمرة لمنسوب السدود، وصيانة المصبات، وتحديث خرائط المناطق المهددة بالفيضانات، يظل عاملاً حاسماً في تقليص الخسائر.
كما يبرز دور التواصل المؤسساتي في توضيح المعطيات للرأي العام، بعيداً عن التهويل أو التبسيط المخل، حتى لا تتحول عبارات من قبيل “البحر يرفض استقبال المياه” إلى مصدر للارتباك بدل أن تكون مدخلاً لفهم المخاطر الحقيقية المرتبطة بتدبير الماء في زمن التقلبات المناخية.
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه