
منذ القدم، ارتبط الإنسان بالبحر كمصدر للغذاء والرزق، غير أن هذا الارتباط لم يكن عشوائياً، بل تحكمه أعراف وتجارب متراكمة راعت توازن الطبيعة واستدامة الثروات البحرية. ومن بين أهم هذه الممارسات ما يُعرف اليوم بـ“الراحة البيولوجية للأسماك”، وهي مفهوم حديث في تسميته، قديم في جوهره وتطبيقه.
فالراحة البيولوجية تعني التوقف المؤقت عن صيد أنواع معينة من الأسماك خلال فترات محددة من السنة، تزامناً مع مراحل تكاثرها ووضع بيضها. هذا المبدأ لم يولد مع القوانين الحديثة أو الاتفاقيات البيئية، بل كان معمولاً به عرفياً لدى الصيادين التقليديين في مختلف الحضارات الساحلية، من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي، حيث كانوا يدركون بالفطرة أن الإفراط في الصيد خلال مواسم التوالد يهدد مورد رزقهم على المدى البعيد.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن مجتمعات صيد قديمة كانت تفرض على نفسها فترات امتناع طوعي عن الصيد، أو تمنع استهداف أنواع معينة في أوقات بعينها، احتراماً لدورات الطبيعة. وكان هذا السلوك يُنقل شفوياً من جيل إلى آخر، باعتباره قاعدة أساسية لضمان وفرة السمك واستمرار الحياة البحرية.
ومع تطور وسائل الصيد ودخول التكنولوجيا الحديثة، تراجع هذا الوعي التقليدي لصالح منطق الاستغلال المكثف، ما أدى إلى تدهور مخزون عدد من الأصناف السمكية، وظهور اختلالات بيئية واضحة. أمام هذا الوضع، عادت الدول والمؤسسات الدولية إلى إحياء مفهوم الراحة البيولوجية، لكن هذه المرة في إطار قانوني وعلمي، يحدد الفترات، والمناطق، والأنواع المعنية بالحماية.
واليوم، تُعد الراحة البيولوجية أداة أساسية في تدبير الثروة السمكية، إذ تساهم في تجديد المخزون، والحفاظ على التنوع البيولوجي البحري، وضمان استدامة نشاط الصيد، خاصة بالنسبة للصيد التقليدي الذي يبقى الأكثر ارتباطاً بالتوازن البيئي.
غير أن نجاح هذه السياسة يظل رهيناً بانخراط الصيادين، واحترام فترات المنع، ومواكبة المتضررين اجتماعياً خلال فترات التوقف، حتى لا تتحول الراحة البيولوجية من آلية حماية إلى عبء اقتصادي. فكما علّمتنا التجربة عبر التاريخ، حماية البحر ليست خياراً ظرفياً، بل شرطاً أساسياً لاستمرار العيش من خيراته.
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه