
يُعدّ اللوجستيك المينائي أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المغربي، بحكم الموقع الجغرافي للمملكة عند تقاطع طرق التجارة العالمية، خاصة بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا. وقد استثمر المغرب خلال العقدين الأخيرين بشكل مكثف في تطوير بنيته المينائية، غير أن واقع اللوجستيك المرتبط بالموانئ يكشف تفاوتًا واضحًا بين الطموح المعلن والمردودية الفعلية على أرض الواقع.
ميناء طنجة المتوسط يُقدَّم كنموذج ناجح، إذ استطاع أن يفرض نفسه كمنصة لوجستية عالمية، بفضل ربطه المباشر بسلاسل الإمداد الدولية، وتكامل خدماته بين النقل البحري والبري والسككي، إضافة إلى السرعة في معالجة الحاويات وانخفاض زمن العبور. هذا النجاح، رغم أهميته، يظل استثناءً أكثر منه قاعدة.
في المقابل، تعاني موانئ أخرى من اختلالات بنيوية في اللوجستيك، من بينها ضعف التنسيق بين المتدخلين، وتعقيد المساطر الإدارية، وارتفاع كلفة الخدمات، فضلاً عن محدودية الربط اللوجستي مع المناطق الصناعية والأسواق الداخلية. هذه الإكراهات تنعكس مباشرة على تنافسية الصادرات، وتُضعف جاذبية بعض الموانئ للاستثمار.
اللوجستيك المينائي لا يتوقف عند الأرصفة والرافعات، بل يشمل منظومة متكاملة: التخزين، العبور الجمركي، النقل متعدد الوسائط، والرقمنة. ورغم إطلاق عدة برامج لتحديث هذه المنظومة، فإن وتيرة التنفيذ تبقى بطيئة في بعض الموانئ، حيث ما تزال الإجراءات الورقية تفرض نفسها، وتُهدر الوقت والموارد.
من جهة أخرى، يطرح اللوجستيك المينائي إشكال العدالة المجالية. فتركيز الاستثمارات الكبرى في محاور محددة يكرّس الفوارق بين السواحل، ويُقصي موانئ جهوية من أدوار كان يمكن أن تساهم بها في التنمية المحلية وخلق فرص الشغل.
الرهان اليوم واضح: المغرب في حاجة إلى لوجستيك مينائي فعال، موحّد المعايير، منخفض الكلفة، وسريع الاستجابة. دون ذلك، ستظل البنية التحتية المتطورة بلا أثر اقتصادي حقيقي. المطلوب ليس المزيد من المشاريع، بل حكامة صارمة، ورقمنة فعلية، وربط حقيقي بين الميناء والاقتصاد الوطني. الكلام عن الريادة الإقليمية لا يكفي، ما لم يواكبه أداء لوجستي يُقاس بالأرقام لا بالشعارات.
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه