
عرفت السواحل المغربية، على مر القرون، فصولًا حافلة من المعارك البحرية وأحداث القرصنة التي جعلت من البحر مجالًا للنفوذ والتصادم بين قوى محلية وإمبراطوريات أجنبية. فمنذ القرن السادس عشر، شكلت السواحل الأطلسية والمتوسطية للمغرب مسرحًا لصراعات بحرية عنيفة، حيث تصدى المغاربة لموجات الغزو البرتغالي والإسباني، كما انخرطوا في مواجهات مع قراصنة أوروبيين وأحيانا تحالفوا مع آخرين لمواجهة خصوم مشتركين.
في سنة 1505، احتل البرتغاليون ميناء المهدية، تبعه سقوط عدد من الثغور الأطلسية مثل أصيلا، العرائش، وأكادير، غير أن رد الفعل المغربي لم يتأخر كثيرًا، حيث تمكن السلطان المولى إسماعيل في القرن السابع عشر من استرجاع عدد منها، وكان لا يتوانى عن إرسال أساطيل بحرية لقطع طرق الإمداد البحري للأعداء. في المقابل، اشتهرت مدن كالصويرة وسلا كمعاقل للبحّارة المغاربة الذين تحول بعضهم إلى قراصنة ينشطون على سواحل المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، مدعومين أحيانًا من الدولة أو غضّت الطرف عنهم، لكونهم يؤمّنون للدولة موارد مالية معتبرة ويُقلقون راحة القوى الأوروبية.
في القرن السابع عشر، تأسست “جمهورية سلا” غير الرسمية، التي كانت تحتضن جماعات من القراصنة المغاربة والأوروبيين المرتدين عن بلدانهم، وكانت تُسيّر عمليات خطف السفن وطلب الفدية مقابل إطلاق الرهائن، ما جعل منها مصدر قلق حقيقي للقوى الأوروبية، خاصة إسبانيا وهولندا وإنجلترا، ودفعت بعضها إلى توقيع اتفاقيات سلام مباشرة مع سلا دون المرور عبر الدولة المركزية.
استمرت هذه المواجهات البحرية خلال القرن الثامن عشر، حيث هاجم الأسطول المغربي بقيادة أحمد الريسوني، ثم لاحقًا تحت سلطة المولى سليمان، عددًا من السفن الأوروبية ردًا على الاستفزازات أو لفرض الاحترام البحري، إلى أن بدأت هذه المواجهات تتراجع مع دخول القرن التاسع عشر، بفعل تطور الأسلحة وسيطرة القوى الأوروبية على البحار.
البحر، إذًا، لم يكن فقط موردًا للرزق في تاريخ المغرب، بل كان ساحة معارك ومجالًا للسيادة والسيطرة، حيث تشكلت هوية بحرية مغربية فريدة، قاومت الهيمنة وظلت لعقود طويلة تُحسب لها ألف حساب في مياه المتوسط والأطلسي.
البحر24
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه