الثروة السمكية بالمغرب.. هل أصبح البحر عاجزاً عن تلبية شهية أساطيل الصيد؟

لم يعد النقاش حول مستقبل قطاع الصيد البحري بالمغرب مقتصراً على حجم المفرغات السمكية أو قيمة الصادرات التي تحققها المنتجات البحرية، بل بات يرتبط بسؤال أكثر عمقاً يتعلق بقدرة المصايد الوطنية على الاستمرار في توفير الثروة السمكية، في ظل تزايد الضغط على الموارد البحرية وتنامي الإكراهات التي تواجه مختلف أنماط الصيد، من التقليدي إلى الساحلي وأعالي البحار.

فخلف الأرقام التي تعلنها التقارير الرسمية حول الإنتاج السمكي، تبرز صورة أكثر تعقيداً داخل عدد من الموانئ ونقط التفريغ، حيث يجد مهنيون أنفسهم أمام تحولات متزايدة في طبيعة المصطادات وكمياتها، فضلاً عن ارتفاع تكاليف رحلات الصيد وتراجع المردودية في بعض المصايد، وهي معطيات تفرض فتح نقاش جدي حول مدى التوازن بين الاستغلال الاقتصادي للثروة البحرية ومتطلبات المحافظة عليها.

ويُعد المغرب من البلدان التي تتوفر على مؤهلات بحرية مهمة، بفضل امتداد واجهتيه الأطلسية والمتوسطية وتنوع مواردهما البيولوجية. غير أن هذه المؤهلات لا تعني بالضرورة أن المخزون السمكي قادر على تحمل مستويات غير محدودة من الاستغلال، ذلك أن المصايد البحرية تخضع لتوازنات بيئية دقيقة، تتأثر بالضغط الناتج عن مجهود الصيد، والتغيرات المناخية، وارتفاع حرارة المياه، وتدهور بعض المواطن البحرية، فضلاً عن الممارسات غير القانونية التي قد تستنزف أصنافاً معينة أو تؤثر على قدرتها على التجدد.

وتكمن الإشكالية في أن تحقيق أرقام مرتفعة من المفرغات خلال موسم معين لا يشكل بالضرورة مؤشراً على سلامة المخزون السمكي، لأن الاستدامة لا تقاس فقط بما يتم اصطياده، وإنما أيضاً بقدرة الموارد البحرية على التجدد والمحافظة على مستويات إنتاج مستقرة على المدى الطويل. وهو ما يطرح ضرورة الانتقال من تقييم القطاع بمنطق الكميات وحدها إلى اعتماد مؤشرات أكثر شمولية تأخذ بعين الاعتبار الحالة البيولوجية للمصايد ومعدلات تجدد الأصناف البحرية.

وإذا كان تراجع المردودية يطرح تحديات على مختلف مكونات القطاع، فإن الصيد التقليدي يظل من أكثر الأنشطة تأثراً بالتقلبات التي تعرفها المصايد البحرية. فهذا النشاط يرتبط بشكل مباشر بالمصطادات اليومية، ويعتمد على إمكانات محدودة مقارنة بالأساطيل الكبرى، ما يجعل أي تراجع في الكميات المصطادة أو تغير في توزع الأصناف البحرية ينعكس بسرعة على دخل البحارة وأسرهم.

كما أن ارتفاع أسعار المحروقات ومستلزمات الصيد والصيانة يزيد من حجم الضغوط الاقتصادية، خصوصاً عندما تصبح تكاليف الخروج إلى البحر غير متناسبة مع القيمة التجارية للمصطادات المحققة. وهنا تبرز إشكالية اجتماعية واقتصادية لا تقل أهمية عن الجانب البيئي، تتمثل في كيفية ضمان استفادة الصياد التقليدي من الموارد الوطنية، دون أن يتحول إلى الطرف الأكثر تضرراً من الاختلالات التي يعرفها المجال البحري.

وفي مواجهة هذه التحديات، لا يمكن اختزال حماية الثروة السمكية في اتخاذ قرارات موسمية لمنع الصيد أو إغلاق بعض المناطق البحرية، رغم أهمية هذه التدابير في حماية الأصناف خلال فترات التكاثر والتجدد. فالمطلوب هو تعزيز المقاربة العلمية التي تسبق اتخاذ القرار، من خلال تحيين المعطيات المتعلقة بالمخزون السمكي، وتحديد مستويات الاستغلال المقبولة، ومراقبة تطور المصايد، وتقييم الأثر الفعلي لتدابير المنع والحماية.

كما أن تطوير آليات المراقبة البحرية ومحاربة الصيد غير القانوني، وتعزيز التنسيق بين الإدارات والمؤسسات العلمية والمهنيين، يظل ضرورياً لضمان احترام قواعد الاستغلال المستدام. ولا يقل أهمية عن ذلك إشراك البحارة والتعاونيات المهنية في نقل المعطيات الميدانية، باعتبارهم من أكثر الفاعلين احتكاكاً بالتحولات التي تعرفها المصايد، مع إخضاع هذه المعطيات للتحقق العلمي والتقييم المؤسساتي.

إن الرهان الحقيقي الذي يواجه قطاع الصيد البحري بالمغرب لا يتعلق فقط برفع الإنتاج أو تحسين قيمة الصادرات، بل بإيجاد معادلة متوازنة تضمن استمرارية الموارد البحرية وتحافظ في الوقت نفسه على المصالح الاقتصادية والاجتماعية للمهنيين. ويقتضي ذلك الانتقال من منطق تدبير مواسم الصيد إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تجعل من حماية المخزون السمكي أولوية في السياسات العمومية، وتربط مستويات الاستغلال بمؤشرات علمية واضحة.

كما يتطلب الأمر مراجعة مدى ملاءمة بعض أنماط الاستغلال مع خصوصيات المصايد المحلية، وتطوير برامج الدعم والتأهيل لفائدة الصيد التقليدي، حتى لا تتحمل الفئات الأكثر هشاشة وحدها كلفة التدابير الرامية إلى حماية الموارد البحرية، في وقت يستدعي فيه مستقبل القطاع توزيعاً أكثر توازناً للمسؤوليات والمنافع.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه القطاع هو التعامل مع الثروة البحرية باعتبارها مورداً اقتصادياً متاحاً بصورة دائمة، دون استحضار الحدود البيولوجية التي تتحكم في تجددها. فالبحر الذي يوفر فرص الشغل ومداخيل التصدير والأمن الغذائي، يحتاج بدوره إلى سياسات تحمي توازنه وتضمن استمرارية موارده.

ومن هنا، فإن مستقبل الصيد البحري بالمغرب لن يُحسم فقط بحجم الأساطيل أو عدد الموانئ أو قيمة الاستثمارات، وإنما بمدى القدرة على حماية الثروة السمكية من الاستنزاف، وتحقيق توازن حقيقي بين متطلبات الاقتصاد البحري وحقوق الأجيال القادمة في موارد بحرية مستدامة.

شاهد أيضاً

آسفي.. تأكيد غرق قارب «لالة خديجة» والعثور على موقعه بقاع البحر

أعلنت الوزارة المكلفة بالصيد البحري عن تحديد الموقع المحتمل لقارب الصيد التقليدي «لالة خديجة»، الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *