الثروة السمكية بالمغرب بين هاجس الاستدامة وضغط الاستغلال.. هل بات الصيد التقليدي الخاسر الأكبر؟

يشكل قطاع الصيد البحري أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المغربي، بالنظر إلى مساهمته في توفير مناصب الشغل ودعم الصادرات وتعزيز الأمن الغذائي. غير أن هذا القطاع الحيوي يواجه خلال السنوات الأخيرة تحديات متزايدة تطرح أسئلة حقيقية حول مستقبل الثروة السمكية الوطنية ومدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على الموارد البحرية.

ورغم المؤشرات الإيجابية التي تسجلها صادرات المنتجات البحرية المغربية، فإن أصواتاً متزايدة داخل الأوساط المهنية تحذر من تنامي الضغوط على المخزون السمكي، خاصة في بعض المصايد التي تعرف نشاطاً مكثفاً، ما ينعكس بشكل مباشر على مردودية الصيد التقليدي ويؤثر على الوضع الاجتماعي والاقتصادي لآلاف البحارة.

ويؤكد مهنيون أن عدداً من موانئ الصيد التقليدي باتت تسجل تراجعاً ملحوظاً في الكميات المصطادة مقارنة بسنوات سابقة، وهو ما يفسر، حسب تعبيرهم، بتزايد المنافسة على الموارد البحرية وتوسع نشاط بعض الأساطيل ذات القدرات التقنية الكبيرة، القادرة على استغلال مساحات واسعة من المصايد في فترات زمنية قصيرة.

ويرى متابعون للشأن البحري أن الإشكال لا يرتبط فقط بحجم الأساطيل أو عدد رحلات الصيد، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة تعزيز آليات المراقبة العلمية للمخزون السمكي وضمان احترام فترات الراحة البيولوجية والحصص المحددة لبعض الأنواع البحرية، بما يضمن تجدد الثروة السمكية واستدامتها للأجيال المقبلة.

في المقابل، تؤكد الجهات الوصية أن المغرب حقق خلال العقدين الأخيرين تقدماً مهماً في مجال تدبير المصايد البحرية، من خلال اعتماد مخططات تهيئة علمية لعدد من الأصناف السمكية، وتعزيز المراقبة البحرية ومحاربة الصيد غير القانوني، فضلاً عن تطوير البنيات التحتية المرتبطة بالتسويق والتثمين.

غير أن خبراء في الاقتصاد البحري يعتبرون أن نجاح أي استراتيجية مستقبلية يظل رهيناً بإشراك مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم مهنيي الصيد التقليدي، الذين يمثلون الحلقة الأكثر هشاشة داخل المنظومة، رغم دورهم المحوري في ضمان الاستقرار الاجتماعي بالمناطق الساحلية.

وتبرز تحديات التغيرات المناخية بدورها كعامل إضافي يزيد من تعقيد المشهد، حيث تؤثر التحولات البيئية وارتفاع درجات حرارة المياه على هجرة بعض الأنواع السمكية وتوزيعها الجغرافي، ما يفرض تطوير أدوات الرصد العلمي والاستباقي للتكيف مع هذه المتغيرات.

ويرى مراقبون أن مستقبل قطاع الصيد البحري بالمغرب لن يقاس فقط بحجم الإنتاج أو قيمة الصادرات، بل بمدى نجاحه في تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الربحية الاقتصادية والاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية. فالحفاظ على الثروة السمكية لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية قطاع يشكل مصدر عيش مباشر وغير مباشر لمئات الآلاف من المغاربة.

وفي ظل هذه المعطيات، تتجدد الدعوات إلى فتح نقاش وطني موسع حول مستقبل المصايد البحرية المغربية، بما يضمن حماية الموارد الطبيعية من جهة، والحفاظ على حقوق المهنيين الصغار وتمكينهم من الاستفادة العادلة من الثروات البحرية الوطنية من جهة أخرى.

شاهد أيضاً

شركة الملاحة البحرية “GNV” تعزز حضورها بالمغرب بتشغيل سفينتين جديدتين تعملان بالغاز الطبيعي المسال

أكدت شركة الملاحة البحرية “GNV”، التابعة لمجموعة “MSC Group”، مساء الاثنين بطنجة، التزامها الاستراتيجي تجاه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *