
لم تعد التغيرات المناخية موضوعاً نظرياً أو نقاشاً علمياً بعيداً عن واقع الناس، بل تحولت إلى حقيقة يومية تفرض نفسها بقوة من خلال مظاهر المناخ المتطرف التي يشهدها العالم، بما في ذلك منطقة شمال المغرب. فبين موجات حر غير مسبوقة، وتساقطات مطرية كثيفة في فترات زمنية وجيزة، وفيضانات مفاجئة، بات المناخ يخرج عن أنماطه المعهودة، كاشفاً حجم الاختلال الذي أصاب التوازن البيئي العالمي.
ويُجمع خبراء المناخ على أن السبب الرئيسي وراء هذه التحولات يعود إلى الأنشطة البشرية، وعلى رأسها الانبعاثات المفرطة للغازات الدفيئة الناتجة عن الصناعة، والنقل، والاستغلال غير العقلاني للموارد الطبيعية. وقد أدى هذا المسار، على مدى عقود، إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية، ما ساهم في تسريع ذوبان الجليد، وارتفاع منسوب البحار، واختلال الدورة الطبيعية للأمطار.
وتتجلى مظاهر المناخ المتطرف في الانتقال السريع من الجفاف إلى الفيضانات، ومن البرد القارس إلى الحر الشديد، في مدد زمنية قصيرة. هذه التحولات لا تقتصر آثارها على البيئة فقط، بل تمتد لتشمل الأمن الغذائي، والاقتصاد، والبنية التحتية، حيث تتضرر المحاصيل الزراعية، وتتآكل الطرق والمنشآت، وتزداد كلفة التدخلات الطارئة للدول.
وفي المغرب، باتت التغيرات المناخية تشكل تحدياً حقيقياً، خاصة مع توالي سنوات الجفاف، وتراجع الموارد المائية، مقابل تسجيل تساقطات قوية ومركزة في فترات قصيرة، غالباً ما تتسبب في سيول جارفة. هذا الواقع يفرض مراجعة شاملة لسياسات تدبير الماء، والتعمير، وحماية المجالات الطبيعية، بما ينسجم مع المعطيات المناخية الجديدة.
ويرى مختصون أن مواجهة المناخ المتطرف لا تقتصر على الحلول التقنية فقط، بل تتطلب تغييراً في أنماط الإنتاج والاستهلاك، وتعزيز الطاقات المتجددة، وحماية الغابات، والحد من التوسع العمراني العشوائي في المناطق الهشة. كما يظل الوعي المجتمعي عنصراً أساسياً في التكيف مع هذه التحولات، من خلال ترسيخ ثقافة بيئية تحترم الطبيعة وتقدّر هشاشتها.
وفي ظل تسارع وتيرة التغيرات المناخية، يبدو واضحاً أن العالم يقف أمام اختبار حاسم: إما الاستمرار في منطق الاستنزاف، أو الانتقال إلى نموذج تنموي جديد يوازن بين حاجيات الإنسان وقدرة الطبيعة على العطاء.
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه