
أعادت الفيضانات التي شهدها ميناء آسفي إلى الواجهة سؤال هشاشة الموانئ المغربية أمام المخاطر المناخية، وفتحت نقاشاً واسعاً حول جاهزية هذه المنشآت الاستراتيجية لمواجهة التحولات المتسارعة التي يفرضها التغير المناخي. فالميناء، الذي يُعد شرياناً اقتصادياً حيوياً للمدينة وللاقتصاد الوطني، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع سيول كشفت محدودية بعض أنظمة الحماية والتصريف.
الفيضانات داخل الموانئ لا تُعد مجرد حوادث عرضية، بل تمثل خطراً متعدد الأبعاد. فهي تهدد سلامة الأرصفة والمنشآت اللوجستيكية، وتتسبب في تعطيل حركة السفن والتفريغ، كما تلحق خسائر مباشرة بالمعدات والبضائع، ناهيك عن آثارها البيئية المرتبطة بتسرب المواد الملوِّثة إلى الوسط البحري. وفي حالة ميناء آسفي، أظهرت التطورات الأخيرة كيف يمكن لعوامل طبيعية، مثل التساقطات الغزيرة وارتفاع منسوب المياه، أن تتحول إلى أزمة تشغيلية واقتصادية في ظرف زمني وجيز.
وتشير المعطيات التقنية إلى أن عدداً من الموانئ أُنشئت وفق معايير لم تكن تأخذ بعين الاعتبار السيناريوهات المناخية القصوى التي باتت اليوم أكثر تكراراً وحدة. فشبكات تصريف مياه الأمطار، والحواجز الواقية، وتدبير الأحواض المينائية، أصبحت مطالَبة بمواكبة واقع جديد يتسم بتقلبات حادة في الطقس وارتفاع مستوى سطح البحر.
في هذا السياق، تبرز رهانات مستقبلية حاسمة، أولها الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الأضرار إلى منطق الاستباق والوقاية. ويتطلب ذلك استثمارات موجهة لتحديث البنيات التحتية المينائية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين تخطيط الموانئ بما يضمن اندماجها مع محيطها الحضري والبيئي، خصوصاً في ما يتعلق بتدبير الأودية والمجاري المائية القريبة.
كما يفرض الواقع الجديد اعتماد مقاربة مندمجة تجمع بين مختلف المتدخلين، من سلطات موانئية وجماعات ترابية وقطاعات حكومية، من أجل تنسيق الجهود وتوحيد الرؤية حول حماية الموانئ. فالميناء لم يعد فضاءً معزولاً، بل جزءاً من منظومة ترابية تتأثر مباشرة بما يحيط بها من اختلالات عمرانية وبيئية.
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه