
نبحر وإياكم ضمن هذه الأشعار في أقوال الكاتب والأديب المصري توفيق الحكيم، الذي فصل كثيرا في البحر من حيث المنافع والمضار والأخطار ويقول :
سألت الصبية عنه والأطفال فقالوا :
” هو زبد جميل لاخطر فيه ولا ضرر، يخرج من ثغر بسام ويهمس لنا بكلام..يفهمنا ونفهمه . ونلعب معه بمجارفنا ونعبث فى مائه الضحل بأقدامنا القصيرة ، ونسبح فيه فلا نرى غوراً .. ونجمع أصدافه الفارغة لنزين بها قصور الرمال ، فتصمد مزهوة للمسات موجاته ، وينحسر عنها دون أن يظفر منها بثغرة فى الأسوار أو صدعة فى الأبراج “.
وسألت عنه النوتية والربابنة من الأبطال فقالوا :
” هو جبار نرهبه ونخشاه ، لا أمان معه ولا ضمان .. كم أرانا الأهوال من زبد غضبه … وكم تحطمت سفن كالمدائن بلطمة من موجه ، نحسب له الحساب قبل أن نلقاه ، ونستوثق من متانة الحبال والشراع ، فإن مزاحه معنا قد يكون فيه الفناء ، وهمساته فى آذاننا رياح هوج قد تنثرنا على صدره هباء ” .
وسألت عنه الصيادين فقالوا :
” هو مصدر الرزق ومنبع الغذاء ، يحمل قواربنا كما تحمل الأم ارجوحة ابنها ، ويتلقى شباكنا على صدره كما تتلقى الوالدة أذرع وليدها ، ويخرج لنا من جوفه طعاماً شهياً ولحماً طرياً ” .
وسألت عنه الباحثين فقالوا :
” هو السر المكتوم فى صدر الزمن ، بل هو الزمن الذى يضم فى صدره الحضارات والأجناس والأمم ، إنه أول مظهر للحياة ، فما مده وجزره إلا أول شهيق وزفير ظهر فى الوجود “.
وسألت عنه الشعراء فقالوا :
” هو مرآة نفس مجلوة بالصفاء، مغبرة بالكدر ، تبسم وتعبس ، وتُضئ وتُظلم ، تُشرق منها الشمس وتغرب !..”.
وسألت عنه الغواصين فقالوا :
” هو القاع العميق الذى لا يُدرك غير القلائل أغواره … فإذا أدركوها فلا يستطيعون الظفر من كنوزه العظيمة بغير القليل من أصدافه الثمينة التى تحوى اللآلئ …”.
وسألت عنه العميان فقالوا :
” هو شئ عظيم نسمع عنه ، ويبلغ مسامعنا ، ولانراه دون أن ندرك مداه …”.
وأخيراً تركت كل هؤلاء وسألت عنه رجال الدين فقالوا :
” هو صورة للكون مصغرة .. قريب للبسطاء ، بعيد للأقوياء، عميق الغور للباحثين والعلماء ، وهو مانح الرزق للعاملين الكادحين ، وحقيقة عظمى للمؤمنين ، ووهم لا يُرى للعميان والكافرين …” .
ثم سألت عنه نفسى فقالت :
” هو شبيه بالرجل العظيم ، يفهمه السذج ، وتلاعبه الصبية ،وتُعابثه الأطفال ، ولهقدر وقيمة فى نظر الأبطال ، وهو لجمهور الناس منبع نفع ، وللدارسين مصدر سر ، ولأهل البصيرة نفس رحبة تُضئ فيها شمس وتنطفئ شمس … ولأهل الهزل موضوع للحديث الفذ ، ووحى للتفكير السهل ، ولأهل الجد أعماق زاخرة بالكنوز ، تحتاج إلى الغوص والكد وللعميان والجهلاء صوت يُدوى فى آذانهم ، وفراغ فى عُرف أذهانهم .
ذلك هو البحر …. فى الكون وفى البشر ….
وكالات – أشعار
البحر 24 نافذتكم على عالم البحر وشؤونه